عبد الملك الجويني
31
الشامل في أصول الدين
ثبوت اللغات ، ومدعى الإثبات فيها مطالب بالدلالات على أن من شأن الحقائق في اللغة الظهور والانتشار والاشتهار ، ونرى الذي ادعيته غير شائع في مجاري الكلام ، فبطل ادعاء الحقيقة . وإن ادعى تجويزا ، واكتفى به قرب من الوفاق ، فإنا ربما لا ننكر التجوز بحال ما . ومما نتمسك به أن نقول : من أصل الخصم أن كل ما يجوز تقدير كونه فهو شيء على الحقيقة ، ونحن نعلم قطعا أن العرب تطلق نفي صفة الشيء على عين معلومات يجوز تقدير حدوثها . ومن أنكر هذا من لغتهم ، وادعى أنهم متوسعون فيه ، كان معاندا ، ومثل هذا يغني اشتهاره عن الاستشهاد عليه بشعر شاعر أو نظم سائر ، فإنا نعلم أن أهل اللسان قسموا وصف الشيء في الكلام . فقالوا مرة : شيء ، وقالوا مرة : ليس بشيء ، ولو قيس إثباتهم الشيء بنفيهم لما رجح ثم نفيهم وإثباتهم راجعان إلى المجازات . ونقول أيضا : نحن نعلم أن العرب لا تثبت شيئا ليس بقديم ولا حادث ولو طولبوا بإثباته أبوه . ولو قيل لهم : كل شيء حادث أو قديم لم ينكروه . والخصم يثبت شيئا ليس بقديم ولا حادث ، إذ المعدوم لا يتصف بالحدوث ولا بالقدم ، وإثبات مثل ذلك خروج عن موجب الاطلاقات . ومما نستدل به أن نقول : من أصلك أن حقيقة الشيء : المعلوم ، وهذا غير سديد . فإن المعلوم من الأسامي المتعلقة ، إذ من ضرورة إطلاق المعلوم ، تقديم علم متعلق به ، وتقديم عالم يعلمه ، والشيء في اللغة ليس من الأسامي المتعلقة ، إذ العرب تثبته مع تقدير خروجه عن كونه معلوما ، ولا تريد بكونه شيئا بكونه معلوما أصلا . ولو صرف اسم الشيء إلى ما يجوز أن يعلم ، ثم ادعى اللغة كان مجازفا ، إذ العرب لو قيل لها : أليس الشيء عندكم ما يعلم ، بل هو ما يجوز أن يعلم ، لأنكروا ذلك من لغتهم وبالحري أن يفهموا ذلك إلا بعد نظر وتدبر ، فكيف يسوغ ادعاء حقيقة اللغة ، فيما لو عرض على العرب لأبوه . ومما يستدل الخصم به قوله تعالى : إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [ الحج : 1 ] . وقال : سماها شيئا قبل وجودها . فالكلام على الآية من أوجه : أحدها : أن نعارض بقوله تعالى : وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً [ مريم : 19 ] نقول : إن كان المستدل النصيبي ، فلا مستروح له في الآية ، فإنه وإن سمى المعدوم شيئا ، فلا نسميه في العدم زلزلة . فإن زعم أن المراد بالآية أنها إذا وجدت ، كانت زلزلة . قيل له : وكذلك إذا وجد كان شيئا . وإن تمسك سائر البصريين بالآية ، لم تستقم على مذهب معظمهم ، فإنهم لا يصفون اللون بأنه حركة ، والزلزلة من أخص أسماء الحركات .